صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

78

الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين )

فالمادة لا تنعدم بعدم شيء من الصور المتعاقبة لحصول البدل له الذي يفعل فعله وهو المعاونة في التقويم قوله فيما أن هذا الثاني يشارك الأول في أنه صورة يشاركه في أنه يعاون على إقامة هذه المادة لما كانت الهيولى جوهرا ناقصة الوجود مستمرة الذات المبهمة متجددة الحصولات المختلفة فلا بد أن يكون سببها المقوم لها ذا جهتين جهة اتفاق واستمرار وجهة اختلاف وتجدد فهكذا حال الصورة المقيمة لها بالشركة والاختلاف وقد علمت أن مقيم الهيولى مركب من جوهر مفارق أصل ومن صورة ما لا يعنيها بها يكمل إفاضة ذلك المبدإ المفيض للمادة وأنه إذا عدمت صورة من الهيولى يتعقب بدلها صورة أخرى في الاستبقاء والإدامة فمن حيث إن اللاحقة تشارك السابقة في أنها صورة ما تعاون المقيم القدسي على الإقامة ومن حيث إنها تخالفها تجعل المادة بالفعل جوهرا غير الجوهر الذي كان بالسابقية فالصورة توجد أولا من السبب القدسي بما هي صورة مطلقة ثم بانضمامها إليه توجد عنها المادة وهي بوجه آخر معلولة للمادة لأنها لا بد من أن يتشخص أولا فيؤثر في الهيولى لتجعلها جوهرا غير الجوهر الذي كان فلها بذاتها المطلقة تقدم على الهيولى المطلقة الباقية وللهيولي المستمرة تقدم بوجه على ذاتها المختصة لما تلزمها من التشخص بالتناهي والتشكل والتحيز وغيرها ولذاتها المختصة تقدم أيضا على الهيولى المتجوهر تجوهرا مخصوصا قوله وكثير من الأمور الموجودة إنما يتم بوجود شيئين لا بعينهما فإن الإضاءة والإنارة إنما يحصل من سبب مضيء لا بعينها يجعل الجسم المستنير قابلا لأن ينفذ فيه الشعاع ولا ينعكس إلى آخره يريد رفع الاستبعاد في أن يتم وجود الهيولى بأمرين أحدهما واحد بعينه والآخر منتشر لا بعينه بإيراد مثال له بعد الإشارة إلى كثرة وقوعه في الوجود والمثال هو الإضاءة الواقعة على الجسم من جهة أمرين يتم بهما جميعا تلك الإضاءة أحدهما السبب المنفصل وهو الجوهر المضيء كالشمس أو النار والثاني السبب المتصل وهو الكيفية التي تعين المنير في الإنارة وهي أحد الألوان لا بخصوصه إذ الكيفية اللونية تجعل الجسم القابل مستعدا لأن يقبل الشعاع النوري وتقف على سطحه ولا تنفذ فيه كما في الهواء ولا ينعكس منه كما في الصيقل فالهواء مثلا بحيث ينفذ فيه الشعاع والصيقل كالمرآة بحيث لا ينفذ فيه الشعاع ولكن لا يقف عليه أيضا بل ينعكس منه إلى غيره ويقف عنده إن كان غيره قابلا ملونا وإلا فلا يقف عنده فإن كان صيقلا ينعكس منه تارة أخرى إلى شيء آخر على نحو يقتضيه وضعه من الأول وإلا فيبقى على نفوذه الاستقامي إلى أن ينعدم قوة نفوذه أو تنتهي هيئة مخروطة إلى نقطة لا يذهب بعدها إن كان المنعكس منه مقعرا مستديرا وربما يذهب بعدها ويحدث منه مخروطة آخر رأسه برأس المخروط الأول كما يعلمه أصحاب المناظر والمرايا والحاصل أن الشفيف والصيقل غير قابلين للضوء لفقد الكيفية اللونية ثم مطلق اللون مع المضيء كان لحصول الاستضاءة في الجسم لكن كل كيفية بخصوصها تقيم الشعاع على خاصيته غير الخاصية التي تقيمها كيفية أخرى من الكيفيات اللونية هذا على مذهب أكثر الحكماء ممن جعل اللون غير الضوء وأما على رأي من جعل الألوان من مراتب النور فيكون المعين للمضيء وفي الإنارة حينئذ كيفية أخرى في القابل غير اللون كمراتب الخشونة ونحوها من الكيفيات الاستعدادية ثم لا ينبغي لأحد أن يناقش مع الشيخ في تلفظه بنفوذ الشعاع وبالانعكاس بأن كلا منهما ضرب من الحركة والانتقال والشعاع عرض والعرض لا يتحرك ولا ينتقل بعد كونه بصيرا بمذهبه في الشعاع وبغرضه من هذه الألفاظ فإن الغرض من إطلاق النفوذ والانعكاس على الشعاع ليس أنه يتحرك بل إنه يحصل في الجسم القابل من جهة المنير بالذات على نسبة مخصوصة مع أن المناقشة في المثال غير قادح وربما يوجد لهذا المقصد مثال أوضح من هذا المثال ولو لم يوجد مثال لم يختل المقصد إذ العمدة هو البرهان وليس يجب أن يكون لكل شيء مثال وربما يمثل في هذا المقام بأن يشبه ذلك المبدأ المستحفظ لوجود المادة المستبقاة بالصور المتعاقبة بشخص واحد يمسك سقفا بدعامات متعاقبة يزيل واحدة ويقيم أخرى بدلها أو بالقوة الغاذية الحيوانية التي تقيم بدنا شخصيا مدة العمر بإيراد الأغذية المتعاقبة التي توردها على البدن وكلما يتحلل ويفنى غذاء بالحرارة المحللة المفنية له فتورد بدلا آخر يفعل فعل الأولى في بقاء البدن بحفظ المزاج بالمجموع من الباقي والمتبدل قوله ولقائل أن يقول إنه إن كان تعلق المادة بذلك الشيء وبصورة فيكون مجموعها كالعلة له وإذا بطلت هذا المجموع الذي هو العلة إلى آخره تقرير السؤال واضح وحاصل الجواب أن جزء العلة ليس هو الصورة المخصوصة بما هي مخصوصة بل الصورة بما هي صورة مادي ثابتة عند بطلان كل صورة يتعقب التالية لها إذ من المستحيل أن يوجد عن ذلك السبب وجود المادة بلا انضمام شيء الصور يكون شريكا له أو شرطا كيف وهو علة لشيء ناقص الوجود